الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

255

تفسير روح البيان

فسميت حجة مجازا تهكم بهم فَلا تَخْشَوْهُمْ فلا تخافوهم في توجهكم إلى الكعبة ومظاهرهم عليكم لسببه فان مطاعنهم لا تضركم شيأ وَاخْشَوْنِي بامتثال امرى فلا تخالفوا امرى وما رأيته مصلحة لكم فانى ناصركم وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ علة لمحذوف اى أمرتكم بتولية الوجوه شطره لا تمامى النعمة عليكم لما انه نعمة جليلة وما وقع من أوامر اللّه تعالى وتكاليفه وائتمار المكلف بالتوجه إلى حيث وجهه اللّه تعالى وان كان نعمة يتوصل به إلى الثواب الجزيل الا ان امره تعالى بالتوجه إلى قبلة إبراهيم تمام النعمة في امر القبلة فان القوم كانوا يفتخرون باتباع إبراهيم في جميع ما كانوا يفعلونه فلما وجهوا إلى قبلته بعد ما صرفوا عنها لمصلحة حادثة فقد أصابوا تمام النعمة في امر القبلة فان نعمة اللّه تعالى على عباده ضربان موهوب ومكتسب فالموهوب نحو صحة البدن وسلامة الأعضاء وغيرهما والمكتسب نحو الايمان والعمل الصالح بامتثال الأوامر والاجتناب عن المناهي فان ذلك كله يؤدى إلى سعادة الدارين وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ اى ولا رادتى اهتداءكم إلى شعائر الملة الحنيفية وشرائع الدين القويم كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ متصل بما قبله اى ولاتم نعمتي عليكم في امر القبلة إتماما كائنا كاتمامى لها بإرسال رسول كائن منكم وهو محمد صلّى اللّه عليه وسلم فان إرسال الرسول لا سيما المجانس لهم نعمة لم تكافئها نعمة قط يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وهو القرآن العظيم وَيُزَكِّيكُمْ اى يحملكم على ما تصيرون به أزكياء طاهرين من دنس الذنوب المكدرة لجوهر النفس لان شأن الرسل الدعوة والحث على اعمال يحصل بها طهارة نفوس الأمة من الشرك والمعاصي لا تطهيرهم إياهم بمباشرتهم من أول الأمر وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ اى ما في القرآن من المعاني والاسرار والشرائع والاحكام التي باعتبارها وصف القرآن بكونه هدى ونورا فإنه عليه السلام كان يتلوه عليهم ليحفظوا نظمه ولفظه فيبقى على ألسنة أهل التواتر مصونا من التحريف والتصحيف ويكون معجزة باقية إلى يوم القيامة وتكون تلاوته في الصلاة وخارجها نوعا من العبادة والقربة ومع ذلك كان يعلم ما فيه من الحقائق والاسرار ليهتدوا بهداه وأنواره وَالْحِكْمَةَ هي الإصابة في القول والعمل ولا يسمى حكيما الا من اجتمع له الأمران كذا قال الامام من أحكمت الشيء اى رددته غما لا يعنيه وكأن الحكمة هي التي ترد عن الجهل والخطأ * واعلم أن العمل بالقرآن متفرع على معرفة معناه وهو متفرع على معرفة ألفاظه والتزكية غاية أخيرة لأنها متفرعة على العمل لكنها قدمت في الذكر نظرا إلى تقدمها في التصور وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ قال الراغب ان قيل ما معنى ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون وهل ذلك الا الكتاب والحكمة قيل عنى بذلك العلوم التي لا طريق إلى تحصيلها الا من جهة الوحي على ألسنة الأنبياء ولا سبيل إلى ادراك جزئياتها وكلياتها الا به وعنى بالحكمة والكتاب ما كان للعقل فيه مجال في معرفة شئ منه وأعاد ذكر ويعلمكم مع قوله ما لم تكونوا تعلمون تنبيها على أنه مفرد عن العلم المتقدم ذكره فَاذْكُرُونِي بالطاعة لقوله عليه السلام ( من أطاع اللّه فقد ذكر اللّه وان قلت صلاته وصيامه وقراءته القرآن ومن عصى اللّه فقد نسي اللّه وان كثرت صلاته وقراءته القرآن ) أَذْكُرْكُمْ بالثواب واللطف والإحسان وإفاضة الخير